كتب قانون المرافعات

قانون أصول المحاكمات الجزائية

كتاب شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ، المؤلف جمال محمد مصطفى

المقدمة

التطور التاريخي لقانون أصول المحاكمات الجزائية

لـم تـكـن قواعـد الإجـراءات الجنائية عبر تاريخها الطويل بمعزل عن التطور الحضاري للمجـتمعات الإنسانية في مختلف العهود، بل تمازجت بعصورها، عاكسة الأنظمة الاجتماعية التي وجدت فيها ومرتبطة بالحركة الإنسانية من ضمان الحرية الشخصية وطمأنيتها والحد من التجاوز عليها.

لقد مرت قواعد الإجراءات الجنائية بعدة نظم حتى أصبحت كما هي عليه الآن وهي ترجع إلى ثلاثة أنظمة: –

1- النظام الاتهامي

هذا النظام قديم جدأ ظهر في الحضارات الأولى في أغلب الشرائع وظهر في مصر الفرعونية واليونان والرومان وظهر بصورة قريبة منه في النظام القضائي الإسلامي… أساس هذا النظام هو ان الفرد الذي أضرت به الجريمة أو شاهد ارتكابها أو تأثر بها هو الذي له الحق باقامة الدعوى العامة ومباشرتها امام قاضي ينتخبه الخصوم.

فهذا الفرد هـو المكلف بالتعقيب والتحري عن الفاعل وهو الذي يباشر الاتهام بإثبات وقوع الفعل من الجاني الذي أقام الدعوى عليه، وليس للسلطة أي دخل في الموضوع وليس للقاضي سلطة في المحاكمات سوى إصدار حكمه حسب العرف والأصول الذي جرى عليها المجتمع… ان مميزات هذا النظام هي علنية الإجراءات وشفويتها وإنها تجري بحضور المتهم وخصومه وتمكنه من الدفاع عن نفسه فهو يحمي المتهم، لكن هذه الميزة تقابلها عیوب احتمال تضرر التحقيق من جراء العلانية… أو عند عجز من أقام الدعوى عن تقديم الدليل أو عـن رفع الشكوى ان كان خصمه قويا، أو إذا لم يكن القاضي يتمتع بسلطات عامة تكفل تطبيق القانون على وجه صحيح.

أي إنه لم يكن ممن مارس القانون أو كـان ممن يسهل اخضاعهم لصالح أحد طرفي النزاع. فإن هذه الأمور من شأنها ان تؤدي إلى ضياع الجريمة وافلات المجرم من العقاب… وهذا النظام مع بعض التبدلات فيه وتلافي بعض عيوبه يعتبر حتى اليوم قائما في الأنظمة الانجلوسكسونية.

۲۔ نظام التنقيب والتحري

ظهــر هـذا النظام في عصر الرومان حيث كان سائداً في العصور الأولى من الامبراطورية الرومانية وكان تطبيقه مقصوراً على المتهمين من الرقيق (العبيد) ثم طبق بعـد ذلـك على غير الرقيق من المتهمين.

وفي القرن الثاني عشر أدخله البابا أنوسان الثالـث إلى القانون الكنسي، ومنه انتقل بعد ذلك إلى المحاكم الملكية في فرنسا.

في هذا النظام تـتولى الاتهام السلطة العامة إذ تبدأ بالإجراءات التحقيقية بمنأى عن المتهم بطـريق سري وليس للمتهم حق الدفاع عن نفسه أو الادلاء بأقوال أو الاستعانة بمدافع عـنـه، وان كل ما له من حق هو ان يجيب على ما يوجه إليه من أسئلة.

وقد طبق هذا الـنظام في كثير من البلدان الاوربية فأدخلته الكنيسة في العصور الوسطى في المحاكم الكنسـية وشمل أغلب المجرمين وقاسي منه الابرياء الكثير من الأذى حيث ان السرية وضرورة الحصول على اقرار من المتهم دفعت القائمين بالتحقيق إلى استعمال منتهى الشدة وترك المتهمين مدة طويلة في التوقيف ولما كانت الأدلة مرسومة بالقانون ومنها الاقرار لأهميته فإن ذلك الأمر أدى إلى اعتبار التعذيب وسيلة قانونية من وسائل التحقيق وأحسـن مـثـال علـى هـذا النظام هو القانون الفرنسي قبل الثورة الفرنسية حيث برز الاعتراف باعتباره سيد الأدلة القانونية إذ لا يستطيع القاضي ان يحكم بالاعدام إلا إذا اعترف المتهم بارتكابه الجريمة.

الأمر الذي أباح تعذيب المتهم لاستحصال هذا الاعتراف منه. وقد نص صراحة على ذلك قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الصادر عام 1670 من إنه يجب على الحاكم أو المحقق، ان يطلب من المتهم الاعتراف بارتكاب الجريمة قـبل التعذيب فإن لم يعترف عذبه وطلب منه الاعتراف خلال تعذيبه، فإن اعترف أنهي تعذيبه وطلب منه تأييد اعترافه بعد التعذيب].

هـذا وان من مميزات هذا النظام جواز الطعن في الأحكام ولكن هذه المزايا يقابلها تخوف حقيقي على حقوق الأفراد من اعتداء السلطة الحاكمة عليهم بالتلفيق في التحقيق السـري… ولا يزال النظام الفرنسي الحالي يتسم بمظاهر هذا النظام مع تلافي بعض العيوب.

3- النظام المختلط

هـذا وان حـركة التشـريعات الواسعة في القرن الثامن عشر، قد أوجدت قوانين إجراءات جنائـيـة تـتلاءم وروح العصر الحديث بعد طرح تلك الإجراءات القائمة على القسـوة والتعذيب. ومن هذه التشريعات قانون التحقيق الجنائي الفرنسي الصادر عام

1808 إذ تـتم بموجبه إجراءات الأصول الجزائية بمرحلتين: مرحلة التحقيق وبها أخذ نظام التنقيب والتحري فيما يتعلق بالسرية وغيرها. ومرحلة المحاكمة وبها أخذ بالنظام الاتهامي من علنية وغيرها.

وقـد تأثرت بهذا القانون كثير من التشريعات الحديثة ومنها القانون العثماني الذي طبق في العراق حتى صدور قانون أصول المحاكمات الجزائية البغدادي عام 1919. وهـذا الـنظام المختلط جمع بين محاسن النظامين واستبعد مساوئها. ففي مرحلة التحقيق وجمع الأدلة يصار إلى إجراءات نظام التنقيب والتحري. وفي مرحلة المحاكمة يصـار إلى النظام الاتهامي فتجرى المرافعة بصورة علنية ويكون للخصومة ولوكلائهم فيها حـق الحضور في المرافعة وفي الاعتراض على الأحكام. ويسمح للمحامي حتى بالحضور في مرحلة التحقيق الابتدائي وان لا يكون الاستجواب إلا بحضوره لذلك سمي هذا النظام بالنظام المختلط

النظم السائدة في العصر الحديث

أسـاس النظام الانجليزي الحالي النظام الاتهامي مع تحوير فيه بتعيين النائب العام ونائبه وتعيين القضاة للحكم. وهو أساس النظام في الولايات المتحدة الامريكية واستراليا والباكستان والهـند وكندا والسودان وغيرها مع بعض الاختلافات…

ويمكننا القول ان النظام الفرنسي الحالي من النظم المختلطة وان كان يقوم في أساسه على نظام التنقيب والتحري مع الاقتراب من النظام الاتهامي في مرحلة المحاكمة.

وهذا النظام هو أساس القوانين المصرية والسورية واللبنانية. وكان المصدر التاريخي لقانون أصول المحاكمات الجزائية العثماني الذي كان مطبقاً قبل الحرب العالمية الأولى في البلاد العثمانية ومنها العراق.

أما في الوقت الحالي فإن إجراءات التحقيق والمحاكمة هي وليدة الثورة الفرنسية فالثورة الفرنسية أقرت عدة مبادئ منها مبدأ [لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص]…

كما أقـرت اعـلان لائحة حقوق الإنسان وقد اعتمد هذا المبدأ في المادة 11 /1 من الاعلان العالمـي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في ١٠/ ١٢/ ١٩٤٨ والمادة ٢/١٤ من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ١٦/ ١٢/ ١٩٦٦ والتي انضم إليها العراق بالقانون رقم ۱۹۳ لسنة ١٩٧٠

قيم الموضوع

التصنيف: 5 من أصل 5.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Cresta Help Chat
Send via WhatsApp