القانون الإدارى

تعريف العقد الادارى

المحتويات إخفاء


تعريف العقد الإداري


ليس من اليسير التوصل إلى تعريف للعقد الإداري، وذلك لعـدد مـن الأسباب، أولها أن الإدارة العامة لا تبرم عقودا ً إدارية فقط، وإنما تعقد كـذلك عقودا ً مدنية من عقود القانون الخاص والتي تخضع لأحكام القانون الخـاص، ومن ناحية أخرى، فإن فكرة العقود الإدارية لم تظهر، إلا عندما ظهر القضاء الإداري، كقضاء مختص بالفصل في المنازعات الإدارية. وبدأ ذلك في فرنسا، حين بدأ مجلس الدولة الفرنسي بالتعرض لمنازعـات عقـود الإدارة.
وبداهة أن مجلس الدولة لم يكن أمامه قواعد إدارية تكفي أو تغطي مـشكلات ومنازعات العقود الإدارية، ذلك أن القانون الإداري كان قانونا ً وليدا ً لم تتـسع دائرة أحكامه، ولم تستقر بعد مبادئه وأفكاره، ولهذا لم يكن أمام مجلس الدولـة الفرنسي إلا أن يلجأ للقانون المدني، فيأخذ من مبادئه ونصوصه مـا يـساعده على الفصل فيما هو معروض عليه.

وجرى قضاء مجلس الدولة على أن يصرح أحيانا ً بالنص المدني الذي اعتمد عليه، ويكتفي أحيانا ً باستلهام المبادئ العامة في القانون المدني كل ذلـك إلى جانب ما قد يجده من قواعد ونصوص في القانون الإداري، وهكذا تحمـل مجلس الدولة الفرنسي أعباء بناء نظرية عامة للعقود الإدارية وفـي تطـور مستمر، ونمو مطرد، وكانت هذه النشأة القضائية الدائمة التطور، وراء صعوبة التوصل إلى تعريف للعقد الإداري.

نشأة القضاء الإداري فى مصر


عام 1946جاء القانون 112 خاليا من اختصاص القضاء الإداري الوليد مـن الاختـصاص بمنازعـات العقـود الإدارية، وفي عام1949 تم تعديل قانون مجلس الدولـة وأضـاف المـشرع لاختصاصات القضاء الإداري، الاختصاص بنظر المنازعات في عقود إدارية ثلاثة فقط، وجعل هذا الاختصاص مشاركة بـين القـضاء الإداري والقـضاء العادي، إلى أيهما يلجأ المدعي حسب إرادته ورغبته. ولم يمنح المشرع القضاء الإداري سلطة الاختصاص بمنازعات العقود الإدارية عامـة، وعلـى وجـه الاستقلال، إلا بالقانون رقم 165لسنة 1955.
ومن هنا يتبين أنه لـم تـتح الفرصة أمام العقود الإدارية لتكون لها نظرية ذات مبادئ وأحكام وقواعد، إلا اعتبارا ً من عام 1955، وهذه فترة لا تكفي لبناء نظرية قانونية هي بلا خلاف قضية هامة وشائكة كذلك.

وهكذا تضافرت العوامل لتأخر استكمال نظرية العقد الإداري بنيانهـا، ورغم هذه الصعوبات فقد ظهرت محاولات للتوصل إلى تعريف.

تعريف العقد الإداري


حسب ما استقر عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي، فإن “العقد الإداري هو كل اتفاق يبرمه أحد الأشخاص المعنوية العامة بغرض تسيير مرفق عـام، على أن تظهر في الاتفاق نية الشخص المعنوي العام في الأخذ بوسائل وأحكام القانون العام، إما بتضمين الاتفاق شروطا ً غير مألوفـة فـي عقـود القـانون الخاص، أو بالسماح للمتعاقد معها- وهو أحد أشـخاص القـانون الخـاص – بالاشتراك مباشرة في تسيير المرفق.

ويعرف أستاذنا الدكتور سليمان الطماوي العقد الإداري بأنه“ذلك الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه، وتظهر فيه نيـة الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام، وآية ذلك أن يتـضمن العقـد شـروطا ً استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص، أو أني خول المتعاقـد مـع الإدارة الاشتراك مباشرة”

واستنادا ً إلى ما استقر عليه الفقه وقضاء مجلس الدولة في فرنسا وفـي مصر، يمكن تعريف العقد الإداري بأنه اتفاق معقود بين جهة الإدارة كـسلطة عامة، وبين فرد أو شركة خاصة بقصد إنجاز عمل محدد يحقق المنفعة العامة، مع تضمين الاتفاق شروطا ً غير مألوفة في مجال التعاقدات الخاصة، أو السماح للمتعاقد معها بالاشتراك مباشرة في تسيير مرفق عام”.

الكتابة ليست شرطا ً لوجود العقد الإداري

وتعريف العقد الإداري بأنه “اتفاق” يعلن أنه لا يكون بـإرادة منفـردة، وإنما نتيجة التقاء إرادتين، بمعنى أن العقد الإداري لا يوجد، إلا بالتقـاء إرادة الإدارة، مع إرادة المتعاقد معها، سواء كان شخصا ً عاما ً أو خاصا ً.وحسب المبادئ العامة في نظرية العقود، فإن الكتابة ليست ركنا ً مـن أركان العقد، ذلك أن الكتابة مجرد وسيلة لإثبات انعقاد العقد وشروطه كذلك.

العناصر المميزة للعقود الإدارية

أن العقد الإداري محكوم بقواعد ونصوص ومبادئ ونظريات القـانون العام على وجه العموم، والقانون الإداري علـى وجـه الخـصوص، وينعقـد الاختصاص بالفصل في منازعاته للقضاء الإداري، في حين أن العقد المـدني محكوم بقواعد وأفكار ونصوص ونظريات القانون الخاص، وينعقد الاختصاص بالفصل في منازعاته للقضاء المدني العادي. من هنا كان ضروريا ً أن نتعرف على معيار، نميز به بين عقود الإدارةالإدارية، وعقود الإدارة المدنية، توصلا ً إلى معرفة القضاء المختص، وتحديد القانون الواجب التطبيق، دون خلط أو لبس.

صعوبة التوصل إلى معيار

رأينا أن نظرية أو فكرة العقود الإدارية، فكرة حديثة، نشأت وتطورت في رحاب القضاء الإداري، وفي مثل هذه النظرية الحديثة النـشأة، وللنـشأة القضائية ذات الطابع العملي، والذي يتعرض لكل منازعة بمـا يلائمهـا مـن حلول، دون الاهتمام بإنشاء نظرية عامة، لم يكن مـن الـسهل أو الميـسور التوصل إلى معيار محدد، يمكن به ومن خلاله

التمييز بين العقد الإداري وغيره

حسبما جاء بأحكام القضاء، ينحصر معيار التمييز في ثلاثة هي:أن تكون الإدارة أحد أطراف العقدأن يكون للعقد علاقة بمرفق عامأن يتضمن العقد شروطا ً استثنائية غير مألوفة فـي مجـال القـانون الخاص

العنصر الأول :أن تكون الإدارة أحد أطراف العقد


أمر طبيعي أن تكون الإدارة أحد أطراف العقد ويعتبر هذا العنصر من البديهيات، ذلك أنه لا يجوز أن يوصف عقد بأنه إداري، إلا إذا كان أحد أطرافه على الأقل جهة إداريـة، وإذا كـان مـن الجائز والمقبول أن تكون الإدارة طرفا ً في عقد مدني غير إداري، فإنه ليس من المقبول أن يوصف عقد بأنه إداري، حالة أن جميع أطرافه من أشخاص القانون الخاص، فالعقد الذي لا يكون أحد أطرافه من أشخاص القانون العام، لا يجوز اعتباره عقدا ً إداريا ً على الإطلاق.

القضاء يعتبر بعض الأشخاص المعنوية الخاصة أشخاصا ً معنوية عامة

وإذا كان أشخاص القانون العام ما لا شك في طبيعته، بسبب اعتـراف الدولة له بهذه الصفة، مثل الدولة والمحافظة والمدينة والقرية وسائر الأشخاص المحلية والمصلحية، فإن القضاء قد اعترف لبعض الأشخاص المعنوية بأنها من أشخاص القانون العام، مستشعرا ً في ذلك، فضلا ً عن أن إنشاءها يكون بتشريع أو بناء على تشريع، ومثال ذلك النقابات المهنية والغرف التجاريـة. وإذا مـا اعترفنا لشخص معنوي بأنه من أشخاص القانون العام، فإن العقود التي يبرمها هذا الشخص، تدخل في عداد العقود الإدارية متى استكملت باقي شروط العقود الإدارية.

شركات القطاع العام والشركات القابضة والشركات المختلطة

ترتب على ظهور التيار الاشتراكي، أن اتسعت دائرة تدخل الإدارة في مختلف نواحي الحياة، خاصة المتعلقة بالنشاط الاقتصادي.
ولقد ترتب على ذلك أن ظهر ما يسمى بالقطاع العام وقطاع الأعمـال والشركات القابضة والشركات التابعة لها، بالإضافة إلى الشركات الاقتـصادية المختلطة التي تتكون وتقوم نتيجة اشتراك مال عام مع المال الخاص.

وتتمتع كل هذه التنظيمات بالشخصية المعنوية، ولقد اعتبر الفقـه هذه كلها من أشخاص القانون الخاص، باعتبارها تمارس نشاطا ً اقتـصاديا، ممـا يعتبر أساسا ً من نشاطات الأفراد، وأنه لا يعتبر نشاطا ً إداريا ً حتى لـو تولـت الإدارة فعالياته، إذ لا يعدو العمل الإداري هنا سوى أنه مجرد إدارة، دون أن يرتب تغييرا ً في طبيعة النشاط، ويؤكد ذلك أن المشرع ذاته قـد الحـق بهـذه التنظيمات الاقتصادية صفة “الشركة المساهمة”، وهي بلا خلاف من أشـخاص القانون الخاص. ولم يختلف نهج القضاء عن هذا الرأي، من ذلك ما قررتـه المحكمة الإدارية العليا من ان شركات القطاع العام ليست من أشخاص القانون العـام، ونشاطها لا يعتبر من قبيل ممارسة السلطة العامة.

تعاقد شخص خاص بصفته وكيلا ً أو نائبا ً عن الشخص المعنوي العام

ويستوي أن يتعاقد الشخص المعنوي بشخصه أو أن يتعاقد من خـلال وكيل عنه، بيان ذلك أنه قد يجري تعاقد بين شخصين من أشـخاص القـانون الخاص، ولكن أحد المتعاقدين لم يكن يتعاقد لحساب نفسه وإنما لصالح ولحساب شخص اعتباري عام، مثل هذا العقد عقد إداري حسب حقيقته، وبصرف النظر عن المظهر الذي لا تظهر فيه شخصية الشخص المعنوي العام.

يجب أن يبرم الشخص المعنوي العام العقد بوصفه سلطة إدارية عامة

الأصل أن الأشخاص المعنوية العامة، أشخاص قانونيـة تتمتـع بكـل امتيازات السلطة العامة، وهي تتمتع بهذه الامتيازات في كل مجالات نشاطها، ومن هنا فإن ما تعقده هذه الأشخاص من عقود تعتبر عقودا ً إدارية، واعتبر أن يكون أحد أطراف العقد شخصا ً معنويا ً عاما ً شرطا ً لوصف العقد بأنه إداري. ولكن كثيرا ً ما يحدث أن يخلع الشخص المعنوي العـام رداء الـسلطة العامة، ويتخلى عن امتيازات السلطة العامة بإرادته، ويتعاقد مع أحد أشخاص القانون الخاص، على قدم المساواة ودون وجود أو ظهور لأي من امتيـازات السلطة العامة، هنا لا يجوز وصف هذا العقد بأنه إداري. ومن هنا يمكن القول بأنه لا يكفي أن يكون أحد أطراف العقد على الأقل شخصا ً معنويا ً عاما ً، وإنما يجب أن يتعاقد هذا الشخص المعنوي العام بوصـفه سلطة إدارية عامة، متمتعة بكل امتيازات السلطة العامة.

يجب أن تبقى للطرف العام صفة العمومية طوال حياة العقد

حسب الشرط الذي نحن بصدده، فإنه ليكون العقد إداريا ً، يجب أن يكون أحد أطرافه على الأقل شخصا ً معنويا ً عاما ً متمتعا ً بكل مميزات السلطة العامة ولا يكفي أن يكون الشخص المعنوي عاما ً وقت انعقاد العقد، وإنما يجب أن يستمر متمتعا ً بصفته العمومية ساعة انعقاد العقد، وأثناء سريان العقد وإلى تمام تنفيذه، وبحيث إذا زالت عنه صفة العمومية لأي سبب، تحول العقد الـذي بدأ إداريا ً إلى عقد من عقود القانون الخاص، وينعقد الاختصاص بالفصل فـي منازعاته للقضاء العادي، ويخضع لولاية القانون الخاص.

العنصر الثاني أن يكون للعقد علاقة بمرفق عام


رغم ما تعرضت له نظرية المرفق العام من هجوم وانتقاد، فلا زالـت النظرية الأساسية، التي يتخذها القانون الإداري الأساس فـي معظـم أفكـاره ومبادئه، ولهذا لم يكن مستغربا ً أن يعتبر القضاء الإداري في مصر وفرنـسا، علاقة العقد بمرفق عام، عنصرا ً أساسيا ً لتكييف العقد بأنه إداري من عدمه.

وإذا كانا قد رأينا أن وجود شخص إداري عام كطرف مـن أطـراف العقد، عنصر رئيسي للقول بأن العقد إداري، فإن هذا العنصر لا يكفي وحده، ذلك أنه قد تكون الإدارة العامة طرفا ً في عقد، ومع ذلك – على ما سبق وقلنا- يكون العقد مدنيا ً خاضعا ً للقانون الخاص. من هنا، كان من الضروري توافر عناصر أخرى، للقول بـأن العقـد إداري، ويعتبر عنصر تعلق العقد بمرفق عام من أهم العناصر المميزة للعقـد الإداري عن غيره مما تعقده الإدارة من عقود.

القضاء الإداري يقرر أهمية عنصر تعلق العقد بمرفق عام:

ويطرد قضاء المحكمة الإدارية العليا على أن عنصر تعلق العقد بمرفق عام، عنصر رئيسي وهام من عناصر العقد الإداري، من ذلك ما تقـرره فـي حكها الصادر في ٣٠ ديسمبر ١٩٦٧” وبالتالي فإن العقد قد اتسم بالطابع المميز للعقود الإدارية من حيث اتصاله بمرفق عام، وأخذه بأسلوب القانون العام وفي ذات الاتجاه حكمها الصادر في ١٨ من مايو عام ١٩٦٨، والذي قـضى بـأن العقد المبرم بين وزارة التربية والتعليم وبين بعض المؤلفين، عقد إداري بسبب أنه يسهم في تسيير مرفق التعليم، وقد تنطوي على شرط استثنائي.

وفي ذات الاتجاه تقابل قضاء محكمة القـضاء الإداري، الـذي قـرر وبعبارة قاطعة، أنه لا يكفي أن يكون أحد طرفي التصرف شخصا ً إداريا ً عاما ً للقول بأن هذا التصرف إنما هو عقد إداري يخضع لأحكـام القـانون العـام وتختص بالفصل في منازعاته هذه المحكمة، فالشخص الإداري العام قد يبـرم عقدا ً مدنيا ً شأنه في ذلك كشأن الفرد الخاص سواء بسواء، وإنما تتميز العقـود الإدارية عن العقود المدنية بطابع معين وهو تعلقه بالمرفق العام.

المقصود بالمرفق العام

عرفت محكمة القضاء الإداري المرفق العام بأنه كل مـشروع تقيمـه الدولة أو تشرف على إدارته، ويعمل بانتظام واستمرار، وتستعين الدولة فـي إنشاء المرفق العام وتسييره بالإدارة بسلطاتها، وتـستهدف تزويـد الجمهـور بالحاجات العامة.

وبديهي ألا يهدف المرفق العـام تحقيـق ربـح مـن وراء تزويـد المتعاملين معه بالحاجات العامة. ولقد زادت أنواع المرافق العامة، فإلى جانب المرافق الإدارية، ظهرت المرافق الاقتصادية والمهنية وغيرها.

والمقصود بالمرفق العام هنا، هو المرفق العام بمعناه الواسـع، فلـيس المقصود به المرافق الإدارية فقط، وإنما يدخل في مفهومه المرافق الاقتصادية وكافة أنواع المرافق العامة.

المقصود باتصال العقد بمرفق عام:

والمقصود باتصال العقد بالمرفق العام، هو الاتصال بمعنـاه الواسـع كذلك، إنه يشمل كل صور العلاقات بالمرفق، ولقد أجملت المحكمة الإداريـة العليا هذا الاتجاه بقولها في حكمها الصادر في ٢٤ من فبرايـر (ومناط العقـد الإداري أن يتـصل بنشاط المرفق العام من حيث تنظيمه، وتسييره بغية خدمة أغراضه، وتحقيـق) احتياجاته مراعاة أوجه المصلحة العامة.

تعليل اشتراط اتصال العقد بالمرفق العام ليكون إداريا:

والواقع أن اتصال العقد بالمرفق العام هو العنصر الذي يبـرر انفـراد العقد الإداري بأحكام خاصة، بيان ذلك أن الإدارة العامة تعمل علـى تحقيـق الصالح العام، وترعى الإدارة العامة الصالح العام من خلال المرافق العامـة، من هنا كانت المرافق العامة ساعية دائما ً لتحقيق الصالح العـام، ومـن هنـا تقررت المبادئ العامة الحاكمة لهذه المرافق، وجماعها ضرورة استمرار هذه المرافق في عملها وبانتظام، وقابليتها للتطوير، ثم تحقيق مبدأ المـساواة بـين المنتفعين بخدماتها، أما الأطراف الأخرى في العقد فهي من أفراد وأشـخاص القانون الخاص، وكلها تعمل للصالح الخاص بها، ومن هنا فإنه إذا لم يتعلق العقـد بـالمرفق العام، تحقيقا ً للصالح العام، فإنه لا يعتبر عقدا ً إداريا ً، حتى ولو كان أحد أطرافه شخص إداري عام .

العنصر الثالث تضمين العقد شروطا استثنائية غير مألوفة


لتطور الكبير الذي تعرض له القانون الإداري، أدى إلى العدول عن الفكرة التي اتخذت من المرفق العام، أساسا ً لكل علاقـات ومبادئ وأفكار ونظريات القانون الإداري، وذلك بعد أن دخل في عداد المرافق العامة التقليدية، مرافق عامة اقتصادية، فرضت طبيعتها على الإدارة أن تديرها بأحكام ومبادئ القانون الخاص المدني والتجاري، وهكذا لم يعد عنصر اتصال العقد بمرفق عام عنصرا ً مميزا ً للعقد الإداري. ولهذا استقر القضاء الإداري في كل من مصر وفرنسا، واتفـق الفقـه كذلك، على أن العنصر المميز الرئيسي، من بين العناصر الثلاثة المميزة للعقد الإداري، هو العنصر المتمثل في أخذ الإدارة في العقد بوسائل القـانون العـام وأساليبه، وهو ما يعني تضمن العقد لشروط استثنائية، غير مألوفة في مجـال عقود القانون الخاص.

القضاء يعتبر تضمين العقد الإداري شروطا ً استثنائية عنصرا ً مميزا ً رئيسيا

تتبلور فكرة أساليب ووسائل القانون العام في اسـتخدام الإدارة لفكـرة السلطة، وما تتمتع به من سيادة الدولة وسـلطاها، فيتـضمن العقـد شـروطا ً استثنائية غير مألوفة في مجالات القانون الخاص، وهو ما يعتبر عنصرا ً مميزا للعقد الإداري.

وتوصل محكمة القضاء الإداري هذه الأفكار، بقولها في حكمها الصادر في ١٦ من ديسمبر سنة ١٩٥٦ كما أن علاقة العقد بالمرفق العـام إذا كانت ضرورية لكي يعتبر العقد إداريا ً، فإنها ليست مع ذلك كافية لمنحه تلـك الصفة، اعتبارا ً بأن قواعد القانون العام ليست ذات علاقة حتمية بفكرة المرفق العام، إذ أنه مع اتصال العقد بالمرفق العام، فإن الإدارة قد لا تلجأ في إبرامـه إلى أسلوب القانون العام لما تراه من مصلحتها في العدول عن ذلك إلى أسلوب القانون الخاص، فتتبع في شأنه ما يتبعه الأفراد في تصرفاتهم الخاصة.

ومن ثم فإن المعيار المميز للعقود الإدارية عما عداها من عقود الأفراد وعقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة، ليس هو صفة المتعاقد، بل موضوع العقد نفـسه متى اتصل بالمرفق العام على أية صورة من الصور مشتركا ً في ذلك وعلـى درجة متساوية مع الشروط الاستثنائية غير المألوفة في العقد وهكذا استقر القضاء على أن عنصر الأخذ بأسلوب القانون العام، ذلك بتضمين العقد شروطا ً غير مألوفة في عقود القانون الخـاص، هـو العنـصر الرئيسي في تمييز العقد الإداري.

الشروط الاستثنائية تختلف عن شروط عقود الإذعان

عقود الإذعان عقود معروفة في مجالات القانون الخاص، وهي عقـود يضمنها أحد أطرافها، شروطا ً مجحفة بالطرف الآخر، ويفرضها عليه فرضا ً، مما يخل بمبدأ المساواة الذي يسود كل علاقات القانون الخاص، ومـن أمثلـة عقود الإذعان، عقد توريد الكهرباء، وعقد توريـد الميـاه، وعقـود الانتفـاع بالاتصالات السلكية واللاسلكية.

وقد يوحي ذلك إلى القول، بأن الشروط الاستثنائية ليست إلا صورة من شروط الإذعان في القانون الخاص. والواقع على خلاف ذلك، فمن ناحية أولى نتذكر أن العقد الذي يتضمن شروط إذعان – يبقى على أصله عقدا ً مدنيا ً، تحكمه قواعد القانون الخـاص، بينما إذا افتقد العقد الإداري شروطا ً استثنائية فإن طبيعته القانونية تتغير بتغير صفة الإدارية عنه، بما يجعله عقدا ً مدنيا ً، تختص المحاكم العادية بالفصل فـي منازعاته، ويخضع لولاية القانون الخاص.

مجالات ظهور الشروط الاستثنائية

ويمكن أن نقابل الشروط الاستثنائية الغير مألوفة في علاقات القـانون الخاص، في مجالات ثلاثة، تمتع الإدارة بامتيازات غير مألوفة فـي عقـود القانون المدني أو التجاري، وسلطات استثنائية يتمتع بها المتعاقد مع الإدارة في مواجهة الغير، ثم اشتراك المتعاقد مع الإدارة في مباشرة تسيير المرفق العام وإدارته.
يتضمن العقد شرطا ً استثنائيا ً واحدا ً، ليكتسب صفة العقد الإداري، حسبما قررته المحكمة الإدارية العليا بحكمها الصادر في ١٩٦٢/٣/٣١

تضمين العقد شروطا ً تحمل امتيازات للإدارة
تضمين العقد شروطا ً تمنح المتعاقد مـع الإدارة سـلطات عامـة فـي مواجهة الغير
أن يتيح العقد للمتعاقد مع الإدارة أن يباشر إدارة المرفق مشاركة مـع الإدارة


المرجع


الدكتور محمد الشافعي أبو راس: العقود الادارية؛ نسخة اليكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Cresta Help Chat
Send via WhatsApp